البيئات المتغيرة والثابتة: مدخل تحليلي لفهم الإنسان السوداني
الحلقة الأولى: الشخصية السودانية… الإنسان ابن البيئة والتاريخ والثقافة
مدخل
لا يمكن فهم الشخصية السودانية بمعزل عن البيئة التي نشأت فيها، ولا عن التاريخ الطويل الذي صنع وجدانها وثقافتها وعلاقاتها الاجتماعية. فالإنسان ابن بيئته؛ يتأثر بها ويؤثر فيها، ويكتسب منها كثيراً من أنماط سلوكه وقيمه وطرائق تعامله مع الحياة.
والسودان، بتنوع بيئاته الطبيعية والاجتماعية والثقافية، يقدم نموذجاً فريداً لشخصية تشكلت من تفاعل عناصر متعددة ومتداخلة، بعضها ثابت ومتجذر في التاريخ، وبعضها متغير فرضته التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
البيئة الطبيعية وصناعة الإنسان
كان للمناخ والأرض والمياه والأمطار والجفاف والخضرة أثر واضح في تشكيل أنماط الحياة السودانية. فالمجتمعات الزراعية ارتبطت بالأرض والمياه والامطار، بينما فرضت البيئات الجافة وشبه الجافة أنماطاً مختلفة من الرعي والتنقل والبحث عن الماء والمرعى.
ومن هنا لم تكن الزراعة والرعي مجرد وسائل لكسب العيش، بل كانتا مدرستين اجتماعيتين أسهمتا في تشكيل قيم مثل الصبر، والتحمل، والتعاون، والاعتماد على الجماعة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة.
كما لعبت التجارة والحرف والمهن المختلفة دوراً في توسيع العلاقات بين الناس، وربط البيئات المحلية ببعضها، وإيجاد مساحات للتبادل الاقتصادي والثقافي.
الأسرة والقبيلة والتكافل الاجتماعي
أسهمت الأسرة الممتدة والقبيلة في توفير الحماية والرعاية والانتماء، وكانت العلاقات الاجتماعية تقوم بدرجة كبيرة على التكافل والمساندة وتحمل المسؤولية المشتركة.
وفي هذا السياق برزت قيم سودانية أصيلة مثل النفير والفزع، باعتبارهما تعبيراً عن المبادرة الجماعية والاستجابة السريعة لحاجة الفرد أو الجماعة.
لكن التحولات الحديثة أدت إلى تغير بنية الأسرة، وتزايد حضور الأسرة النووية، واتساع المدن، وتراجع بعض وظائف القبيلة والأسرة الممتدة، دون أن تختفي آثارها من الشخصية والمجتمع.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين القيم الإيجابية للانتماء والتكافل وبين تحويل الانتماء القبلي أو الجهوي إلى حاجز أمام المواطنة والمصلحة الوطنية.
التنوع الثقافي… ثراء لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام
تشكلت الشخصية السودانية في فضاء ثقافي متنوع، تداخلت فيه مكونات عربية وإسلامية وإفريقية ومحلية، إلى جانب عشرات الثقافات واللغات والموروثات التي عرفتها البلاد عبر تاريخها الطويل.
ولم يكن هذا التنوع مجرد وجود جماعات متجاورة، وإنما شهد السودان عمليات متواصلة من التفاعل والتبادل والتمازج.
ومن هذا التداخل نشأت شخصية سودانية متعددة الملامح، تجمع بين الموروث الديني والاجتماعي، والعادات المحلية، والتقاليد المتوارثة، والتجارب التاريخية المختلفة.
ولذلك فإن التنوع السوداني يمكن أن يكون مصدر قوة وطنية إذا أُدير على أساس المواطنة والمساواة والاحترام المتبادل، لا على أساس الإقصاء أو العصبية.
لا تصنع البيئة الإنسان بصورة كاملة؛ فالإنسان يحمل استعدادات فطرية مشتركة، ثم تأتي الأسرة والتعليم والدين والثقافة والتجربة الاجتماعية والتاريخية لتوجه هذه الاستعدادات وتصوغها.
ومن هنا يمكن فهم الشخصية السودانية باعتبارها نتاجاً لتفاعل مستمر بين الفطرة والبيئة والثقافة والتاريخ.
ولهذا نجد في الشخصية السودانية صفات متعددة قد تبدو متباينة، لكنها في الحقيقة نتاج لهذا التراكم الطويل؛ كالكرم والبساطة، والتكافل والاعتزاز بالانتماء، والصبر والقدرة على تحمل الشدائد، مع وجود بعض الممارسات الاجتماعية التي تحتاج إلى مراجعة وتطوير.
بين ثبات الموروث وتغير الواقع
الشخصية الحية ليست شخصية جامدة. فالمجتمعات تتغير عندما تتغير ظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وقد أحدثت الهجرة إلى المدن، والتعليم، ووسائل الاتصال الحديثة، والتحولات الاقتصادية، والحروب والنزاعات، تغيرات كبيرة في أنماط الحياة والعلاقات والقيم.
ومن الخطأ أن ننظر إلى الشخصية السودانية باعتبارها صورة ثابتة لا تتغير؛ فهي شخصية تتفاعل باستمرار مع بيئات جديدة، وتعيد ترتيب أولوياتها وفقاً للظروف.
إن الشخصية السودانية التي نعرفها اليوم هي حصيلة تاريخ طويل من التفاعل بين الإنسان والأرض والمناخ، وبين الزراعة والرعي والعمل، وبين الأسرة والقبيلة، وبين الدين والثقافة، وبين التنوع والتمازج.
إنها شخصية لم تتشكل في بيئة واحدة، ولم تنتجها ثقافة منفردة، وإنما هي مزيج متفرد من عناصر فطرية ومكتسبة، وتجارب تاريخية وثقافية واجتماعية متراكمة.
لكن البيئة التي صنعت الشخصية السودانية بالأمس ليست هي البيئة التي يعيش فيها الإنسان السوداني اليوم؛ فقد جاءت الحرب لتفرض واقعاً جديداً، وتعيد تشكيل كثير من العلاقات والقيم وأنماط التفكير.
يتبع ….الحلقة الثانية، ،مواجهة التحديات والازمات، ،،،
د. عبدالحليم موسى عبدالله
