✍️ محمد الخطيب- إفادة نيوز

السودان ليس أرضاً تتنازعها البنادق، ولا سلطة تُنتزع بالقوة ثم تُترك فوق ركام المدن والقلوب، بل هو ذاكرة شعب، ووجدان أمة، وتاريخ طويل من التعايش والتراحم والتسامح.
وما يمر به وطننا اليوم من حرب وتمزق وانقسام، ليس مجرد صراع عابر، بل جرح عميق أصاب الإنسان السوداني في روحه قبل أرضه، وفي وجدانه قبل واقعه.
لقد أرهقت الحرب الناس، وشتتت الأسر، وأطفأت ملامح كثيرة من الحياة التي عرفها السودانيون، لكنها في الوقت ذاته ولّدت جفوة قاسية بين أبناء الوطن، وخلقت مسافات من الشك والريبة والخلاف، حتى أصبح كثيرون لا يعلمون كيف بدأت تلك القطيعة، ولا من أين تسربت إلى النفوس، ولا من المستفيد الحقيقي من اتساعها.
فالحروب لا تقتل الناس وحدهم، بل تحاول أن تقتل ما بينهم من مودة ورحمة وثقة، وتزرع الخوف مكان الطمأنينة، والكراهية مكان الألفة، وتحوّل الوطن الواحد إلى معسكرات متباعدة تتوجس من بعضها البعض.
وهذه هي أخطر الحروب، لأنها لا تستهدف الجسد فقط، بل تضرب روح المجتمع وتماسكه.
لكن السودان، الذي ظل متماسكاً عبر الأزمان رغم تنوعه واختلاف مكوناته، لا يمكن أن تُهزمه الأزمات إذا أدرك أبناؤه أن قوتهم الحقيقية ليست في التفرق، بل في الترابط، ولا في الخصومة، بل في وحدة الصف وتماسك المجتمع.
فنحن حين نتكاتف نصبح أقوى من الأزمات، وحين نتراحم نغلق أبواب الفتنة، وحين نتمسك بوطننا تتراجع كل المشاريع التي تريد تمزيقنا وإضعافنا.
السودان لا يحتاج اليوم إلى من يوسع دائرة الخلاف، بل إلى من يردم الفجوة بين الناس، ويعيد للكلمات معناها الجميل، وللعلاقات دفئها القديم، حتى يعود الوطن بيتاً واسعاً يتسع للجميع.
نحن أمة مسلمة، وديننا الحنيف لم يدعُ إلى الفرقة ولا إلى الكراهية، بل دعا إلى الإصلاح والعفو وجبر الخواطر ولمِّ الشمل.
قال تعالى: “إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم”، وهي دعوة عظيمة لأن يكون الإصلاح منهجاً دائماً، لا موقفاً مؤقتاً تفرضه الظروف.
إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني حقيقي، لا يقوم على الإقصاء ولا على تصفية الحسابات، بل على الاعتراف بالألم والعمل على تضميده، وبناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء في الوطن لا خصوم فيه.
خارطة الطريق نحو التعافي تبدأ أولاً بوقف الحرب وإعلاء قيمة الإنسان، فلا يمكن أن يولد الاستقرار تحت صوت المدافع، لأن الدم السوداني يجب أن يكون أغلى من أي مكسب سياسي أو عسكري.
ثم يأتي الحوار السوداني الجامع، حوار لا يُقصي أحداً، ولا يحتكر الحقيقة طرف، ويقوم على مبدأ أن السودان يتسع للجميع، وأن الحلول المستوردة لا تستطيع فهم تعقيدات المجتمع السوداني بقدر ما يفهمها أبناؤه.
ولا بد كذلك من تفكيك خطاب الكراهية والجهوية، فالكلمة التي تبث الفتنة لا تقل خطورة عن الرصاصة، وخطاب العنصرية والتحريض هو الوقود الحقيقي لاستمرار النزاعات وتمزيق المجتمع.
ويحتاج السودان أيضاً إلى مصالحة مجتمعية شاملة تعيد بناء الثقة بين الناس، وتداوي ما خلفته الحرب من جراح نفسية واجتماعية، لأن السلام الحقيقي يبدأ من عودة الإنسان للاطمئنان تجاه أخيه الإنسان.
كما أن السلام لا يعني تجاهل الألم أو نسيان الضحايا، بل بناء عدالة تحفظ الحقوق وتمنع تكرار المأساة، حتى يشعر الجميع أن الوطن يحميهم بالقانون لا بالخوف.
ولا يمكن لأي وطن أن يستقر وشعبه يواجه الجوع والمرض والانهيار الاقتصادي، لذلك فإن إنقاذ الاقتصاد والخدمات الأساسية يجب أن يكون أولوية عاجلة، لأن الجوع لا ينتظر السياسة، والمواطن الذي يبحث عن الدواء والغذاء والمأوى لا يستطيع أن يعيش على الوعود وحدها.
السودان يملك كذلك ثروة عظيمة في شبابه وكفاءاته داخل الوطن وخارجه، وهؤلاء يجب أن يكونوا شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل، لا مجرد متفرجين على انهيار وطنهم.
أما الدولة التي يحلم بها السودانيون، فهي دولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون، دولة لا تقوم على الجهوية أو الحزبية أو الولاءات الضيقة، بل على حقوق متساوية يشعر فيها الجميع أن السودان وطنهم جميعاً.
ولأجل التوافق الحقيقي والعودة بالسودان إلى طريق التعافي، فلنضع ثياب الحزبية جانباً، ولنلبس ثوب الوطن، ثوباً تتساوى فيه القلوب قبل المواقع، وتعلو فيه مصلحة السودان فوق كل خلاف أو انتماء ضيق.
إن أعظم انتصار يمكن أن يتحقق اليوم ليس انتصار طرف على آخر، بل انتصار السودان على جراحه، وانتصار العقل على الغضب، والمحبة على الكراهية، والوطن على كل أسباب التمزق.
وسيأتي يوم يجلس فيه السودانيون تحت راية وطن واحد، يتذكرون هذه السنوات المؤلمة لا ليعيدوا الكراهية، بل ليحمدوا الله أنهم اختاروا الوطن قبل أن يضيع الوطن منهم.
فالأوطان التي تنتصر بالمحبة تبقى، أما التي تُدار بالكراهية فتأكل نفسها بنفسها.
ويبقى السودان وطناً شامخاً، موحداً، آمناً، مطمئناً، تتوارث فيه الأجيال معنى الانتماء، لا ذاكرة الانقسام.

شاركها.
اترك تعليقاً