د/ راشد محمد على الشيخ- إفادة نيوز
عاشت إدارة الدولة في السودان ابلغ صور التعقيد، إذ يلتبس التعامل مع معطيات الواقع ويسكن المشهد السياسي مزج الارتباط الخارجي بالبعد الداخلي ويسير القرار في مضيق حالة التوسع الداخلي .
في هذا المشهد تجلت ازمة حكم إرتبط بأيدولوجيا فكرية تقدم القوة على الفكرة، والحرب على السلم وتبنت الصراع الداخلي كوحدة من أبنية التنظيم الداخلي ومن ثم الصراع مع الآخر لتدجينه ومحو وجوده الشكلى والرمزى ووضع تخيل مسئ لحساب العوامل الذكية والمشتركة ومع ذلك إفتقد النظام لحالة السيطرة على مجريات الاحداث السياسية واختلطت اوراق الطموح الشخصي والسند الإجتماعي المحلي بمصالح ذات أبعاد إقليمية انحصرت فيها كافة أدوات ووسائل السياسة الخارجية للدولة في بحث مضنى عن حالة الدفء اللحظي.
لكل ماتقدم نجد أن السودان قد مر بحالة من عدم الإستقرار الاقتصادي ناتجة عن سوء إدارة موارد الدولة وبالضرورة فإن سوء الإدارة يحسب من عوامل السياسة الداخلية أي انه أمر مرتبط بمفهوم نظام ادارة الدولة وهذا يعنى أن أي نظام سياسى يفشل فى تطبيق حالة التكامل للنظم الادارية مصيره الفشل السياسي ويضاف إلى الفكرة الرئيسية لعناصر التنظيم في مراكز القوة.
إن التحول الذى جاءت به حالة التغيير في السودان إرتكز في الاساس على مكافحة الفساد وآلة القمع في بعدها السياسي المدعوم بتغيير ثقافة المجتمع الذي غذته الإنقاذ بمفهوم الخروج الآمن من المعلب (مفهوم تصنيع وتركيب المواسير) مما أدى الى ظهور حالة الطفح الاجتماعي التى أعتمدت إرث القيم الدينية التى دعت لها الانقاذ وحملها عنها المجتمع، لذلك وجب العمل على إعادة ضبط البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والامني والعسكري.
وتسعى عملية الضبط الى تحقيق مفهوم الدولة الوطنية القومية وهذا المفهوم يستند على بعد التربية الوطنية كوظيفة إجتماعية مستندة على قيم دينية وموروثات ثقافية وافكار قادرة على إجراء التغيير الحرج بمرونة وفعالية وكفاءة عالية ، ومن ثم يجب العمل على إعادة التوازن الوطني الى مؤسسات الدولة وفقاً لمفاهيم الدولة القومية والتي تستند على رسوخ القانون والتساوى فيه وحمايته من غول الصف الثالث ومن اصحاب المصالح الذاتية الضيقة .
إن عملية الضبط في البعد الإقتصادي تتطلب درجة عالية من الأمانة و ذلك لأن التعامل مع موارد غير محددة وغير معروفة وغير محصورة يثير الاطماع والتي هي من محركات المصالح الذاتية الضيقة لذلك يجب التعامل مع الضبط الإقتصادي على أساس تحقيق مصالح الكل بما في ذلك مصالح الأجيال القادمة وتعويض اصحاب الضرر والتضحيات وذلك عبر مبدأ تكافل المجتمع لحماية الإقتصاد القومي وكذلك لحماية المجتمع من الاثار الجانبية لعملية الضبط .
ولعملية الضبط الإجتماعي أهمية كبرى في درء آثار الحروب والنزاعات وهذه تتطلب تعاملاً خاصاً يأتي في إطار عملية بناء السلام الإجتماعي مما يعزز من الحالة الوطنية الكاملة لقيمة الولاء والذي سيوفر سنداً استراتيجياً مقوياً ومساهماً في ضبط النسق السياسي وكذلك لحماية الاقتصاد القومي من عبث الطامعين .
أما فيما يلي الضبط الأمني فإن العملية الأمنية برمتها تقع تحت تفسير مفهوم الأمن وهو الحماية من المخاطر ولذلك يتشعب هذا المفهوم حين يرتبط بالسياسي والأقتصادي والأجتماعي وعندما تكتمل مقومات التهديد فإن حالة الأمن تتقدم على كافة المفاهيم السابقة باعتبارها الثابت الذي يدير حركة التغيير ولكن التعامل بمفهوم الأمن الحالي هو أتجاه لتكريس سلطة القانون من غير تكييف لذلك لا بد من ضبط المجال الأمنى من قبل الحالة الأمنية اذا افترضنا ان الأمن يتطلب أعلى المقدرات لحماية الدولة وأركانها الثلاثة (الأرض وسكانها والسلطة) ويضاف اليهم تفاعل السكان مع السلطة وحركتهم داخل اقليم الدولة.
اما من ناحية عسكرية فإن افرازات الحروب والنزاعات قد أدت الى تعدد القوى العسكرية في السودان هذا بالإضافة الى الوجود الكياني لقوة الدولة العسكرية (القوات المسلحة) ولكن لابد من إعادة ضبط الأتجاهات السياسية وذلك بتقديم قاعدة العقيدة القومية للقوات المسحلة على كافة الإنتماءات السياسية والفكرية مع الأخذ في الأعتبار ان تحريك هذة القوه العسكرية من قبل مجموعة سياسية محددة هي جريمة لايمكن السكوت عنها باعتبارها تهدد الأمن المستقبلى القومي لتطور الدولة في السودان .
ومن الأهمية بمكان إعادة دمج وتدريب وتأهيل كافة تشكيلات القوة العسكرية في السودان وجعلها تحت إمرة القيادة الموحدة لكل هذه القوات بمختلف اشكالها وتشكيلتها.
إن مستقبل السودان المتطور يجب أن يتجه نحو بناء دولة حديثة لها مؤسسات قوية وراسخة وفاعلة ومنتجة ولها قوة قانونية لاتقبل انصاف الحلول. وكذلك تمتلك قوة عسكرية موحدة رادعة مع مؤشرات امان اقتصادي مرتفع ومجتمع تسوده روح الألفة والمحبة ورقابة الضمير وذلك لتثبت قراءة مؤشر الأمن القومي للدولة بكل اركانها الأرض والسكان والسلطة وهذه الاخيرة هي محل الصراع المؤثر على العقد الإجتماعي للدولة (السكان) والذي بدوره يؤثر بالتفاعل السلبي على الإقليم الجغرافي للدولة (والأرض).
*استاذ العلوم السياسية والأمن القومى*
