كيف نبني إنساناً متوازناً يحسن الاختلاف دون أن يتجاوز حدود الشرع؟

✍️ عبدالقادر الحبرابي

المحامي و الكاتب السوداني

الخرطوم: 2026/6/8

كثيراً ما يلاحظ المتابع للحياة العامة في المجتمعات العربية أن بعض الناس يتعاملون مع الاختلاف في الرأي بوصفه عداءً شخصياً لا مجرد تباين في وجهات النظر. فقد يحبك اليوم ويثني عليك، ثم ينقلب عليك غداً لأنك عبرت عن رأي خالف ما يعتقده أو ما يهوى.
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن التاريخ الطويل الذي عاشته الأمة العربية تحت أنماط مختلفة من القمع السياسي والفكري والاجتماعي، حيث اعتادت الأجيال المتعاقبة على تلقي الآراء أكثر من مناقشتها، وعلى الطاعة أكثر من الحوار، وعلى الانقياد أكثر من المشاركة.
غير أن الخطأ الذي وقع فيه بعض المثقفين عند تحليل هذه الظاهرة هو ربط علاجها بتبني مفهوم الحرية المطلقة كما هو شائع في بعض الفلسفات الغربية. فالحرية في التصور الإسلامي ليست انفلاتاً من كل قيد، وليست تمرداً على كل سلطة، وإنما هي التزام واعٍ بمنهج الله الذي خلق الإنسان وأعلم بما يصلحه.
إن المسلم لا يفهم الحرية على أنها حق الإنسان في فعل كل ما يريد، بل حقه في ممارسة ما أباحه الله دون ظلم أو اعتداء أو فساد. فالحرية في الإسلام محكومة بحدود الشرع، لأن الإنسان عبد لله قبل أن يكون حراً أمام الناس.
ولهذا فإن المشكلة الحقيقية في مجتمعاتنا ليست في وجود الضوابط، وإنما في الخلط بين الضوابط الشرعية المشروعة وبين القمع الذي يمارسه البشر باسم السلطة أو السياسة أو العصبية.
لقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من عبودية البشر والأهواء والشهوات، لا ليحرره من عبودية الله سبحانه وتعالى. ولذلك كانت الحرية الحقيقية عند المسلمين هي الانعتاق من كل قيد إلا قيد الحق.
ومن هنا فإن قبول الرأي الآخر لا يعني قبول كل رأي، وإنما يعني الاعتراف بحق الآخرين في التعبير عن اجتهاداتهم وآرائهم في دائرة المشروع والمباح، مع بقاء الحق في مناقشتها ونقدها بالحجة والبرهان.
إن بعض الناس يظنون أن رفض رأي ما يعد عداءً لصاحبه، بينما يعلمنا الإسلام أن نفرق بين الإنسان وفكرته، وأن نرد الخطأ دون ظلم صاحبه، وأن نختلف دون أن نتباغض.
وقد شهد تاريخ الحضارة الإسلامية نماذج راقية من الاختلاف بين العلماء والأئمة. فاختلفوا في الفقه والعقيدة والسياسة الشرعية، ومع ذلك ظل الاحترام قائماً، وظلت الأخوة الدينية جامعة بينهم. لأنهم أدركوا أن الاختلاف سنة كونية، وأن وحدة الأمة لا تعني تطابق العقول.
ولكي نبني شخصية عربية سوية ومتوازنة لا بد من عدة أمور:
أولاً: ترسيخ الفهم الصحيح للحرية باعتبارها مسؤولية شرعية وليست انفلاتاً من الضوابط.
ثانياً: تربية الأجيال على أدب الحوار واحترام المخالف دون التنازل عن الثوابت.
ثالثاً: تعليم الناس أن الاختلاف في الرأي لا يبرر الخصومة ولا القطيعة ولا الكراهية.
رابعاً: تعزيز قيمة العدل والإنصاف، بحيث نحكم على الأقوال والأفعال بمعايير الحق لا بمعايير الحب والبغض.
خامساً: إعادة الاعتبار للمنهج الإسلامي الوسطي الذي يجمع بين الحرية والانضباط، وبين الحقوق والواجبات، وبين الاجتهاد والالتزام بالنصوص الشرعية.
إن الأمة العربية لا تحتاج إلى استيراد مفاهيم الحرية من خارج منظومتها الحضارية بقدر ما تحتاج إلى إحياء الفهم الصحيح لما جاءت به الشريعة الإسلامية من تكريم للإنسان وضمان لحقوقه وحفظ لمصالحه.
فالحرية التي لا يضبطها الشرع قد تتحول إلى فوضى، كما أن السلطة التي لا يضبطها الشرع قد تتحول إلى استبداد. وبين الفوضى والاستبداد يقف الإسلام بمنهجه المتوازن ليقرر أن الإنسان حر ما دام داخل حدود الله، فإذا تجاوزها فقد تجاوز المباح إلى المحظور.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الشخصية العربية المعاصرة: أن تتعلم كيف تختلف دون خصومة، وكيف تتحاور دون تعصب، وكيف تمارس حريتها في إطار القيم التي تحفظ المجتمع وتحفظ الإنسان في آن واحد.
فليس كل ما يُراد يُباح، وليس كل ما يُباح يُستحب، ولكن يبقى الحق أن يعيش الإنسان كريماً عزيزاً، حراً من ظلم البشر، ملتزماً في الوقت ذاته بشرع الله الذي جعله ميزان الحرية والعدل والاستقامة.

شاركها.
اترك تعليقاً