✍️ محمد الخطيب
الأمم لا تتراجع لأنها تفتقر إلى الإمكانات، وإنما لأنها تفقد وضوح الرؤية. ولا تنهض لأنها امتلكت المال أو كثرة الرجال، وإنما لأنها عرفت إلى أين تتجه، وما الغاية التي تسعى إليها، ثم جعلت من اختلافاتها مصدرًا للتنوع لا سببًا للتنازع.
وفي لحظات التحول الكبرى، لا يكون السؤال: ماذا نملك؟ بل: أين نحن؟ وماذا نريد؟
إننا ننتمي إلى مجتمع يزخر بتاريخ عريق، وجذور ضاربة في عمق الحضارة، وإرث ثقافي وإنساني نفتخر به، كما يمتلك ثروة حقيقية تتمثل في أبنائه المنتشرين في أنحاء العالم؛ علماء، وأكاديميون، وأطباء، ومهندسون، ورجال أعمال، وإعلاميون، وخبراء في مختلف التخصصات. هذه الثروة البشرية هي أعظم رأسمال يمكن أن تمتلكه أي أمة.
ومع ذلك، يبقى السؤال المؤلم حاضرًا: لماذا لم تتحول هذه الطاقات إلى مشروع نهضوي متكامل؟ ولماذا ظلت الإنجازات الفردية تتألق هنا وهناك، بينما يظل الأثر الجماعي أقل من حجم الإمكانات؟
الحقيقة أن المشكلة لا تكمن في نقص الكفاءات، بل في غياب الرؤية الجامعة التي تستوعب الجميع، وفي الحاجة إلى ثقافة تؤمن بأن العمل المؤسسي هو الطريق الوحيد لاستدامة الإنجاز. فالمجتمعات لا تُقاس بعدد المتميزين فيها، وإنما بقدرتها على تحويل التميز الفردي إلى قوة جماعية، وتحويل المبادرات المتفرقة إلى مشروع متكامل يخدم الإنسان والمكان.
لقد آن الأوان لأن نغادر دائرة الحديث عن الماضي باعتباره إنجازًا مكتملًا، وأن نتعامل معه بوصفه مصدرًا للإلهام لا محطةً للتوقف. فالتاريخ يمنحنا الهوية، لكنه لا يصنع المستقبل ما لم نحسن استثماره. أما الاكتفاء بالتغني بالأمجاد، فلن يبني مدرسة، ولن يطور مشروعًا، ولن يصنع فرصة عمل، ولن يهيئ مستقبلًا أفضل لأبنائنا.
إن المرحلة التي نعيشها تتطلب مراجعة شجاعة لأسلوب تفكيرنا قبل مراجعة واقعنا. فكم من طاقات تعطلت بسبب خلافات صغيرة، وكم من أفكار ماتت قبل أن ترى النور لأنها اصطدمت بحسابات ضيقة، وكم من فرص ضاعت لأننا انشغلنا بمن يقود أكثر من انشغالنا بما ينبغي أن يُنجز.
إن المجتمعات الواعية لا تبحث عن الأشخاص بقدر ما تبني المؤسسات، لأن الأشخاص يرحلون، أما المؤسسات الراسخة فتبقى، وتتطور، وتحمل الرسالة من جيل إلى جيل.
ومن هنا، فإن ما نحتاج إليه ليس مجرد لقاءات عابرة أو مبادرات موسمية، بل مشروعًا فكريًا واجتماعيًا طويل النفس، يعيد ترتيب الأولويات، ويستثمر في الإنسان قبل أي شيء آخر. مشروع يفتح أبوابه للشباب باعتبارهم طاقة التغيير، ويمنح المرأة المكانة التي تستحقها، ويستفيد من خبرات المغتربين، ويربط أصحاب الاختصاص بقضايا المجتمع، ويحول المعرفة إلى عمل، والعمل إلى نتائج ملموسة.
كما أننا بحاجة إلى إعادة تعريف النجاح. فالنجاح الحقيقي ليس أن يحقق الفرد إنجازًا شخصيًا فحسب، بل أن يسهم في صناعة بيئة تتيح للآخرين النجاح أيضًا. والمجتمع الذي يحتفي بنجاح أفراده دون أن يحول نجاحهم إلى قيمة مشتركة، يظل يكرر البدايات ولا يصل إلى الغايات.
ولعل أكثر ما نحتاج إليه اليوم هو ثقافة السؤال. فالسؤال بداية الوعي، وبداية الإصلاح، وبداية كل مشروع ناجح. علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: ما أولوياتنا؟ ما الذي يجمعنا؟ ما الذي نريد أن نتركه للأجيال القادمة؟ وكيف نحول اختلافاتنا إلى مصدر قوة لا إلى سبب للفرقة؟
إن المستقبل لا ينتظر المترددين، ولا يجامل من يكتفي بالأمنيات. إنه يفتح أبوابه لمن يخطط، ويعمل، ويتعلم من أخطائه، ويؤمن بأن النهضة لا يصنعها فرد مهما بلغت قدراته، وإنما تصنعها إرادة جماعية تتجاوز المصالح الضيقة إلى المصلحة العامة.
لسنا في حاجة إلى شعارات جديدة بقدر حاجتنا إلى وعي جديد. ولسنا بحاجة إلى مزيد من الأمنيات، بل إلى إرادة تتحول إلى عمل، وعمل يتحول إلى مؤسسات، ومؤسسات تصنع مستقبلًا يستحقه أبناؤنا.
ويبقى السؤال الذي يجب ألا يغيب عن أذهاننا، لأنه مفتاح كل بداية، وبوصلة كل مشروع، ومعيار كل خطوة:
أين نحن؟
ثم السؤال الذي سيحدد مصيرنا لعقود قادمة:
ماذا نريد؟
فعندما تتفق العقول على الإجابة، وتتحد الإرادات حول الهدف، يصبح المستقبل قرارًا نصنعه بأيدينا، لا أمنية ننتظرها من الآخرين.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version