✍️ محمد الخطيب
في كل مرحلة مفصلية من تاريخ الأمم يبرز سؤال واحد يسبق الأسئلة جميعها: من يملك حق التحدث باسم الشعب؟
هذا السؤال يفرض نفسه بقوة كلما طُرحت مبادرات للحوار السياسي حول مستقبل السودان، وكلما اجتمعت مجموعات من القوى السياسية أو الحركات المسلحة تحت رعاية إقليمية أو دولية لمناقشة شكل المرحلة القادمة.
فالسودان اليوم ليس أمام أزمة عابرة يمكن احتواؤها باتفاق سياسي محدود، وإنما أمام تحدٍ وطني كبير فرضته حرب استهدفت الدولة ومؤسساتها وأمنها ووحدتها الاجتماعية، وتركت آثاراً عميقة في حياة ملايين المواطنين الذين دفعوا الثمن الأكبر من أرواحهم وأرزاقهم واستقرارهم.
ولذلك فإن أي حديث عن مستقبل السودان ينبغي أن يبدأ من الشعب نفسه، لا من القوى التي تتنافس على الحديث باسمه.
فالواقع يطرح تساؤلات مشروعة حول حجم التفويض الشعبي الذي تستند إليه الأطراف المشاركة في الحوارات السياسية المختلفة، وحول قدرتها الحقيقية على التعبير عن تطلعات السودانيين في هذه المرحلة الدقيقة. فالشعوب لا تُختزل في الأحزاب، ولا تختصرها الحركات المسلحة، ولا يمكن حصر إرادتها في مجموعة محدودة من الفاعلين السياسيين مهما كانت أوزانهم أو مواقعهم.
ومن هنا تكتسب رؤية القوات المسلحة أهمية خاصة في هذا الملف.
فالقوات المسلحة، بحكم مسؤوليتها الدستورية والوطنية، تنظر إلى الأزمة الراهنة باعتبارها معركة دفاع عن الدولة وسيادتها ومؤسساتها، وليست ساحة للتنافس السياسي أو البحث عن المكاسب الحزبية. ومن هذا المنطلق ظل موقفها قائماً على ضرورة حماية الدولة أولاً، وترسيخ الأمن والاستقرار باعتبارهما الأساس الذي تقوم عليه أي عملية وطنية جادة.
كما أن مسؤولية القوات المسلحة لا تقتصر على حماية الحدود وصون السيادة، وإنما تمتد إلى حماية تماسك الدولة ومنع انهيار مؤسساتها في أوقات الأزمات الكبرى، وهو ما يجعل رؤيتها مرتبطة بمصالح السودان العليا أكثر من ارتباطها بالتجاذبات السياسية اليومية.
غير أن السؤال الأهم يظل مطروحاً: كيف يمكن للسودانيين أن يحددوا مستقبل دولتهم بصورة تعبر عن إرادتهم الحقيقية؟
الإجابة تكمن في الانتقال إلى مفهوم أكثر شمولاً وعمقاً، وهو الحوار الاستراتيجي.
فالحوار الاستراتيجي لا ينشغل بالأشخاص ولا بالمناصب ولا بالترتيبات المرحلية، وإنما ينشغل بالمستقبل. إنه حوار يبحث في شكل الدولة التي يريدها السودانيون، وطبيعة نظام الحكم، وأسس العدالة والتنمية، وإدارة الموارد، وإصلاح المؤسسات، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وآليات منع النزاعات وصناعة الاستقرار.
مثل هذه القضايا لا يمكن أن تُترك للنخب السياسية وحدها، لأنها تمس حاضر ومستقبل جميع السودانيين. ولذلك فإن الحوار الاستراتيجي الحقيقي يستوعب العلماء والخبراء والجامعات ومراكز البحث والإدارات الأهلية والمهنيين والشباب والمرأة وممثلي المجتمعات المحلية في مختلف أنحاء البلاد.
وعندما تتبلور هذه الرؤية الوطنية الجامعة يصبح الانتقال إلى المؤتمر الدستوري خطوة طبيعية ومنطقية، لأن الدستور في جوهره ترجمة قانونية لما يتوافق عليه المجتمع بشأن شكل الدولة وقيمها ومؤسساتها وأولوياتها.
أما القفز مباشرة إلى المؤتمرات الدستورية أو الترتيبات السياسية قبل بناء هذا التوافق الوطني الواسع، فإنه يحمل خطر إنتاج وثائق لا تجد سندها الحقيقي وسط المواطنين، فتظل عرضة للرفض أو التعديل أو التجاوز مع أول أزمة سياسية جديدة.
ولهذا فإن الحاجة تبدو اليوم أكثر إلحاحاً إلى منصة وطنية موحدة للحوار الاستراتيجي، تجمع العقول والخبرات والطاقات السودانية تحت سقف الوطن، وتعمل على بلورة رؤية شاملة للمستقبل بعيداً عن الاستقطاب الحزبي والتأثيرات الخارجية.
إن السودان يحتاج في هذه المرحلة إلى مشروع وطني جامع بقدر حاجته إلى السلام والاستقرار. مشروع يعبر عن إرادة شعبه، ويحفظ سيادته، ويؤسس لدولة قوية وعادلة وقادرة على مواجهة التحديات.
وعندما يكون الشعب هو نقطة البداية، تصبح الدولة هي النتيجة الطبيعية، ويصبح المستقبل صناعة سودانية خالصة يشارك فيها الجميع، وتحميها مؤسسات وطنية راسخة، وتستند إلى رؤية تتجاوز اللحظة الراهنة نحو آفاق أرحب وأكثر استقراراً.
