قيم الوطنية والمشاركة المجتمعية
الطريق إلى بناء وطن العزة والكرامة
العمل الطوعي وسط الشباب، ومواجهة المصالح الضيقة، ودور القوات المسلحة والقوات المساندة في حماية الوطن وبنائه
إذا كانت الوطنية الحقيقية تبدأ بحب الوطن والانتماء إليه، فإنها لا تكتمل إلا بالعمل من أجله. والسودان اليوم في حاجة إلى تحويل مشاعر الوطنية إلى مبادرات عملية، وإلى مشاركة مجتمعية واعية تسهم في حماية الوطن وإعادة بنائه وتعميره.
العمل الطوعي… طاقة الشباب لبناء الوطن
يمثل الشباب الثروة الحقيقية لأي مجتمع، ولذلك فإن توجيه طاقاتهم نحو العمل الطوعي وخدمة المجتمع يمثل أحد أهم أبواب البناء الوطني.
فالعمل الطوعي لا يقتصر على تقديم المساعدة للآخرين، وإنما يربي على المسؤولية والانضباط والتعاون، ويغرس في النفوس قيمة العطاء والإحساس بالمجتمع والوطن.
ومن هنا تأتي أهمية دعم المبادرات الشبابية، وتوفير معينات العمل الطوعي، وفتح المجالات أمام الشباب للمشاركة في حملات النظافة والإعمار، ومساندة المتضررين، وخدمة المؤسسات والمجتمعات المحلية، كلٌّ بحسب قدرته وتخصصه.
إن الشباب الذين يتعلمون اليوم معنى العمل من أجل الآخرين، سيكونون أكثر قدرة غداً على تحمل مسؤولية بناء الدولة.
مواجهة المصالح الضيقة والمقاومة السلبية
إن طريق البناء والتعمير ليس خالياً من العقبات؛ فقد تقف أمامه أحياناً المصالح الشخصية والأنانية، أو محاولات تعطيل المبادرات، أو نشر الإحباط، أو التقليل من قيمة أي جهد وطني.
وهنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي؛ فالاختلاف في الرأي حق، والنقد البناء ضرورة، لكن تحويل الخلاف إلى وسيلة لتعطيل البناء أو شق الصف الوطني أمر ينبغي الحذر منه.
كما يجب التمييز بين المعارضة الوطنية المسؤولة التي تسعى إلى تصحيح الأخطاء، وبين المقاومة السلبية للبناء والتعمير التي لا تقدم بديلاً وإنما تعمل على إضعاف أي جهد إيجابي.
والتعامل مع هذه الظواهر ينبغي أن يكون بالحكمة والعقلانية، وبالحوار متى كان الحوار ممكناً، وبسيادة القانون عندما تقع مخالفات تستوجب المساءلة، بعيداً عن الانتقام أو تصفية الحسابات.
القوات المسلحة والقوات المساندة… حماية الوطن وبناؤه
إن استقرار الوطن وأمن مواطنيه يمثلان الأساس الذي يقوم عليه أي مشروع للبناء والتنمية.
ومن هذا المنطلق تأتي أهمية دور القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة الأخرى، بمختلف مسمياتها، والمقاومة الشعبية في حماية الوطن والدفاع عن أمنه وسيادته، في إطار القانون والمصلحة الوطنية.
غير أن حماية الوطن لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مهمة أمنية فقط؛ فالوطن يحتاج إلى تكامل الأدوار بين المؤسسات العسكرية والأمنية، والمؤسسات المدنية، والمجتمع، والشباب، والمرأة، والمهنيين، وأهل العلم والفكر.
فالجندي يحمي الوطن في ميدان واجبه، والطبيب يحمي حياة الإنسان، والمعلم يحمي مستقبل الأجيال، والمهندس يشارك في إعمار ما دمرته الحرب، والعامل والمزارع والمنتج يسهمون في تحريك عجلة الاقتصاد. وهكذا يصبح كل سوداني شريكاً في معركة البناء.
حماية الوطن مسؤولية الجميع
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من ثقافة الانتظار إلى ثقافة المبادرة، ومن الاعتماد على الآخرين إلى المشاركة الفاعلة.
فلا يمكن أن تبنى دولة قوية إذا ظل كل فرد ينتظر أن يبدأ الآخرون. وإنما يبدأ البناء عندما يقول كل مواطن: ماذا أستطيع أن أقدم لوطني؟
ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية لا ترتبط بالعمر أو الوظيفة أو الانتماء السياسي أو القبلي أو المناطقي؛ فكل سوداني قادر على أن يقدم شيئاً لوطنه.
السودان أولاً
إن السودان يحتاج إلى أن نضعه فوق المصالح الضيقة، وأن نتعامل مع اختلافاتنا بروح وطنية، وأن نترك للأجيال القادمة وطناً أكثر أمناً واستقراراً وكرامة.
فالوطن لا يبنى بالإقصاء، ولا بالتعصب، ولا بتقديم المصالح الشخصية، وإنما يبنى بالتعاون، والتسامح، والعمل، والانضباط، وسيادة القانون، والإخلاص.
السودان أولاً…
عبارة ينبغي ألا تبقى شعاراً يقال، وإنما قيمة تتحول إلى سلوك وممارسة يومية.
فإذا تكاملت حماية الوطن مع العمل الطوعي، وتكاتفت جهود الشباب مع جهود المؤسسات، وتراجعت المصالح الضيقة أمام المصلحة العامة، فإن السودان يستطيع أن ينهض من جديد، وأن يستعيد مكانته، وأن يمضي نحو وطن العزة والكرامة.
السودان وطن الجميع… وبناؤه مسؤولية الجميع.
د. عبدالحليم موسى عبدالله
جامعة إفريقيا العالمية

شاركها.
اترك تعليقاً