يُعدُّ الوقت من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، إذ هو وعاء الأعمال، وميدان الإنجاز، ورأس مال الحياة الحقيقي. وقد أقسم الله تعالى به في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، فقال: ﴿والعصر﴾، ﴿والفجر﴾، ﴿والضحى﴾، في دلالة واضحة على مكانته وأهميته في بناء الإنسان والمجتمع والحضارة.
غير أن المتأمل في واقع المجتمع السوداني يلحظ مفارقة واضحة بين القيمة النظرية للوقت وبين ممارسات الناس العملية تجاهه؛ إذ ما زالت ثقافة التعامل مع الزمن تعاني من اختلالات بنيوية متجذرة في التنشئة الاجتماعية، والتراكمات الثقافية، وضعف الوعي الديني الصحيح.
لقد ساهمت البيئة الاجتماعية التقليدية، القائمة على الامتداد الأسري والاعتماد المتبادل، في ترسيخ أنماط من السلوك اليومي لا تمنح الوقت قيمته الحقيقية. ففي كثير من البيئات السودانية، لا يُنظر إلى التأخير، أو إهدار الزمن، أو الانشغال بما لا ينفع، باعتباره خللاً سلوكياً أو إخلالاً بالمسؤولية، بل قد يُتعامل معه أحياناً كأمر طبيعي أو جزء من “العفوية الاجتماعية”.
ومن مظاهر ذلك انتشار الجلسات الطويلة غير المنتجة، والانشغال المفرط بالأحاديث الجانبية، والتأجيل المستمر للأعمال، وضعف الالتزام بالمواعيد، وهي ظواهر تعكس أزمة في الوعي الزمني أكثر من كونها مجرد عادات اجتماعية.
كما أن تفشي الاعتمادية داخل الأسرة الصغيرة أو الممتدة يمثل أحد أبرز العوامل المؤثرة في سوء استثمار الوقت؛ حيث ينشأ كثير من الأبناء على الاتكالية وانتظار الآخرين في قضاء شؤونهم، مما يضعف لديهم حس المسؤولية والاستقلالية والانضباط الذاتي. وهذه التربية تُنتج جيلاً يميل إلى التواكل أكثر من التوكل، وإلى الاستهلاك أكثر من الإنتاج.
ومن المهم هنا التفريق بين “التكافل الاجتماعي” كقيمة إيجابية، وبين “الاعتمادية السلبية” التي تُضعف الشخصية وتُهدر الطاقات.
وفي المقابل، نجد أن التربية الدينية الصحيحة تقدم تصوراً متكاملاً وعميقاً لأهمية الوقت. فالإسلام جعل الوقت مناط التكليف، وربط النجاة بحسن استثماره. قال رسول الله ﷺ: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”. فالفراغ إذا لم يُملأ بالخير، امتلأ بما يضر.
إلى اللقاء في الحلقة القادمة
د. عبدالحليم موسى عبدالله
باحث وأكاديمي – جامعة إفريقيا العالمية

شاركها.
اترك تعليقاً