قراءة في رسائل البرهان وملامح السودان بعد الحرب

✍️ محمد الخطيب

لم يكن خطاب الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بمناسبة عيد الأضحى مجرد حديث عابر فرضته المناسبة، بل جاء محملاً برسائل سياسية وعسكرية ترسم ملامح المرحلة المقبلة وتحدد الاتجاه الذي تمضي نحوه الدولة السودانية في واحدة من أكثر المحطات حساسية في تاريخها الحديث.
فالخطاب جاء في توقيت تتقدم فيه القوات المسلحة على مختلف المحاور، وتتراجع فيه المليشيا المتمردة تحت وطأة الضربات العسكرية والانشقاقات المتزايدة داخل صفوفها، الأمر الذي منح الدعوة إلى الحوار الوطني بعداً مختلفاً تماماً. فالمطروح اليوم ليس حواراً تفرضه موازين ضعف أو تسويات اضطرارية، وإنما حوار ينطلق من واقع جديد فرضته تضحيات الجيش وصمود الشعب السوداني طوال فترة الحرب.
ومن هنا تكتسب دعوة البرهان أهميتها، إذ إنها تؤكد أن السودان يتجه نحو صناعة مستقبله من الداخل، بعيداً عن الوصاية السياسية ومحاولات فرض الحلول الجاهزة التي ظلت تُطرح في المنابر الخارجية دون أن تنجح في ملامسة جوهر الأزمة السودانية.
لقد أوضح الخطاب بصورة لا تحتمل التأويل أن الدولة ماضية في استكمال معركة القضاء على التمرد واستعادة الأمن والاستقرار في كامل التراب السوداني، وفي الوقت نفسه فتحت الباب أمام حوار وطني يشارك فيه أصحاب المصلحة الحقيقية في بناء الوطن، بعيداً عن الذين اختاروا الاصطفاف مع مشروع الفوضى أو تورطوا في دعم الجرائم التي ارتُكبت بحق السودانيين.
ويدرك السودانيون اليوم أن أكبر تحديات المرحلة المقبلة لا تتمثل في إنهاء الحرب فقط، وإنما في بناء دولة قادرة على تجاوز آثارها الثقيلة. فهناك مدن تحتاج إلى الإعمار، ومؤسسات تحتاج إلى الإصلاح، ومجتمع يحتاج إلى تضميد الجراح واستعادة الثقة، واقتصاد يتطلب رؤية وطنية تعيده إلى مسار الإنتاج والتنمية.
ولهذا فإن نجاح الحوار المرتقب سيكون مرتبطاً بقدرته على استيعاب القوى الوطنية الحقيقية، والاستفادة من التنوع السياسي والاجتماعي والثقافي الذي يتميز به السودان، وصولاً إلى مشروع وطني جامع يؤسس لدولة مستقرة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
إن الرسالة الأهم التي حملها خطاب البرهان تتمثل في أن السودان لن يُدار من الخارج، وأن القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل شعبه ستظل حقاً أصيلاً للسودانيين وحدهم. كما حمل الخطاب تأكيداً واضحاً بأن الانتصارات العسكرية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما خطوة ضرورية لتهيئة الأرضية التي يُبنى عليها السلام والاستقرار والدولة القادرة على حماية مواطنيها وصيانة وحدتها الوطنية.
السودان يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة. مرحلة عنوانها أن ما عجزت عنه المؤامرات لن تفرضه الضغوط، وما فشلت في تحقيقه المليشيا بقوة السلاح لن تمنحه لها طاولات التفاوض. فالحوار الذي يُبنى على إرادة وطنية حرة يبقى الطريق الأقصر نحو المستقبل، والحوار الذي يأتي من موقع القوة يملك فرص النجاح أكثر من أي حوار تفرضه موازين الضعف أو حسابات الخارج.

شاركها.
اترك تعليقاً