✍️ محمد الخطيب

ليست صيانة المدارس عملاً إنشائياً عابراً تُقاس قيمته بالإسمنت والطلاء والأبواب والنوافذ، بل هي في جوهرها إعادة ترميم لروح المكان الذي تُصنع فيه الأجيال. فالمدرسة حين تتهالك، لا تتشقق جدرانها وحدها، بل يتسلل الوهن إلى البيئة التعليمية كلها؛ إلى نفسية التلميذ، وهيبة المعلم، واستقرار العملية التعليمية بأكملها.
وفي محلية دلقو، لم يكن مشروع “ثبات” مجرد تدخل إنساني محدود الأثر، بل تجربة متكاملة أعادت الاعتبار لعدد من المدارس التي ظلت لسنوات تواجه تحديات البنية التحتية وضعف الإمكانات. المشروع الممول من البنك الدولي عبر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وبشراكة مع عدد من المنظمات الوطنية، نجح في أن يترك أثراً واضحاً في قطاع التعليم بمحلية دلقو، ليس على مستوى الشكل فقط، بل على مستوى الإحساس العام بأن التعليم ما زال يجد من يؤمن به ويستثمر فيه.
لقد أسهمت التدخلات التي نفذتها المنظمات الوطنية، وفي مقدمتها منظمة تنمية الطفل (CDF)، في إعادة تأهيل وصيانة عدد من المدارس، وتحسين البيئة التعليمية بصورة ملموسة، من خلال أعمال الصيانة، وتوفير الإجلاس، ودعم مصادر المياه، والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق الكبير داخل المدرسة. فالطالب الذي يدخل فصلاً نظيفاً ومنظماً وآمناً، ليس كمن يدخل مكاناً يفتقد أبسط مقومات البيئة التربوية.
وفي قلب هذا الجهد برزت الأستاذة هيام عمر محمد علي، مدير منظمة تنمية الأطفال بالولاية الشمالية، التي بذلت جهداً كبيراً ومقدراً في متابعة المشروع وتنسيق أعماله والإشراف على تنفيذ مراحله المختلفة. وقد شكّلت حضوراً فاعلاً في الميدان، وعملت بروح المسؤولية والشراكة، ما أسهم بصورة واضحة في تجاوز كثير من التحديات التي صاحبت التنفيذ، وفي تعزيز التواصل بين المنظمات والمجتمعات المحلية والجهات الرسمية. ومثل هذه الأدوار الهادئة، التي تعمل بعيداً عن الأضواء، كثيراً ما تكون هي العمود الحقيقي لنجاح المشروعات الإنسانية والتنموية.
وما يميز هذه التجربة أن أثرها لم يكن فنياً فقط، بل مجتمعياً أيضاً. إذ نشأت حول المشروع حالة من التفاعل الإيجابي بين المجتمعات المحلية والجهات المنفذة، وأصبح الناس ينظرون إلى المدرسة باعتبارها مسؤولية جماعية، لا مرفقاً حكومياً معزولاً عن محيطه الاجتماعي.
وفي هذا الجانب، برز دور المكون المحلي بصورة لافتة، خاصة اتحاد عام شياخات المحس، الذي شكّل سنداً مجتمعياً مهماً في متابعة المشروع، وتقريب وجهات النظر، وتعزيز الثقة بين المجتمعات والمنظمات. كما لعب أبناء المجتمعات في توندي وتاجاب ودلقو وفريق دوراً حقيقياً في إنجاح المشروع، عبر المتابعة والتنسيق والدفع باتجاه الحفاظ على المكتسبات، بروح تعاونية تعكس أصالة هذه المجتمعات ووعيها العميق بأهمية التعليم.
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده أن المشروع واجه في بداياته كثيراً من التحديات والهواجس وسوء الفهم، وهي أمور كثيراً ما ترافق المبادرات الإنسانية في البيئات التي عانت طويلاً من التهميش وضعف الخدمات. غير أن الإصرار على العمل، وروح الفريق الواحد، والتنسيق بين الشركاء، كلها عوامل جعلت المشروع يتجاوز تلك المنعطفات ليصل إلى هذه المرحلة من النجاح والتأثير.
إن المجتمعات التي عاشت سنوات طويلة معتمدة على مواردها الذاتية، وتقاسمت لقمة العيش مع التعليم والصحة والعون الإنساني، تدرك جيداً قيمة أي مشروع يلامس احتياجاتها الحقيقية. ولذلك فإن نجاح “ثبات” لا يُقاس فقط بعدد المدارس التي تمت صيانتها، أو بعدد المقاعد التي وُزعت، بل يُقاس أيضاً بقدر الثقة التي أعادها إلى نفوس الناس، وبالرسالة الإنسانية التي حملها إلى مجتمع ظل متمسكاً بالتعليم رغم قسوة الظروف.
ويبقى التحدي الأكبر هو الاستمرارية؛ فالمشروعات الإنسانية لا تحقق أهدافها الكاملة إن جاءت موسمية أو قصيرة العمر. وما تحتاجه المجتمعات اليوم هو تراكم الجهود، واستدامة الدعم، وتعزيز الوعي المجتمعي بقيمة العمل الإنساني بعيداً عن الشكوك والهواجس التي قد تُضعف أثره أو تعطل مسيرته.
فالمدرسة التي تُعاد صيانتها اليوم، ليست مجرد مبنى يعود للحياة، بل نافذة تُفتح للمستقبل، ورسالة تقول إن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الفصل الدراسي، ومن الطفل الذي يبحث عن مقعدٍ آمن، وكتاب، وبيئة تمنحه حقه الطبيعي في أن يتعلم بكرامة وأمل.

شاركها.
اترك تعليقاً