✍️ محمد الخطيب

في الحروب الطويلة لا تكون البدايات هي المعيار الحقيقي لفهم مآلات الصراع، لأن كثيرًا من القوى تبدو في لحظات اندفاعها الأولى أكثر صلابة مما هي عليه في الواقع. لكن الزمن، وحده، يملك القدرة على كشف ما إذا كانت هذه القوة تستند إلى مشروع قابل للاستمرار، أم إلى حالة مؤقتة صنعتها الظروف والاندفاع والسلاح.
ولهذا فإن الانشقاقات التي بدأت تضرب قوات الدعم السريع لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تحركات فردية معزولة، بل باعتبارها مؤشرات سياسية وعسكرية ونفسية تعكس تحولات أعمق داخل بنية المليشيا نفسها.
القائد الميداني لا يغادر عادة في ذروة الشعور بالقوة، وإنما يغادر عندما تبدأ القناعة بالتآكل، وحين يقرأ المشهد بطريقة مختلفة عن الخطاب المعلن داخل المعسكرات. لذلك فإن تكرار الانشقاقات وسط قيادات كانت تمتلك نفوذًا ميدانيًا مؤثرًا يكشف أن هناك من بات يرى أن الحرب دخلت مرحلة جديدة، وأن الحسابات القديمة لم تعد صالحة كما كانت.
الحروب لا تُدار فقط بالسلاح، بل بالقدرة على الحفاظ على التماسك الداخلي. وهذه النقطة تحديدًا تمثل التحدي الأخطر أمام أي قوة غير نظامية تعتمد على التحالفات المؤقتة والولاءات المتغيرة أكثر من اعتمادها على مؤسسة عسكرية مستقرة وعقيدة واضحة.
الدعم السريع خلال سنوات تمدده السريع استطاع أن يفرض نفسه كقوة مؤثرة على الأرض، مستفيدًا من تعقيدات المشهد السوداني، ومن حالة السيولة السياسية والأمنية التي عاشتها البلاد. لكنه اليوم يواجه معركة مختلفة تمامًا؛ معركة الحفاظ على التماسك النفسي والتنظيمي في حرب طويلة استنزفت الجميع.
ومع امتداد القتال، بدأت الأسئلة الصعبة تظهر داخل الصفوف نفسها: ما أفق هذه الحرب؟ من يملك القدرة على الاستمرار؟ وهل ما زال المشروع قابلًا للحياة بعد كل هذا النزيف؟
هذه الأسئلة أخطر على أي قوة مسلحة من خسارة المواقع نفسها، لأن الجيوش حين تفقد يقينها تبدأ في فقدان قدرتها على الصمود حتى لو بقي السلاح حاضرًا.
المنشقون الذين يغادرون اليوم لا يتحركون فقط بدافع النجاة، بل بدافع قراءة المشهد القادم. فالقائد الذي يملك خبرة ميدانية يعرف جيدًا متى تتغير موازين القوى، ومتى تتحول المعركة من محاولة للتمدد إلى محاولة لتفادي الانهيار.
ولذلك فإن تأثير الانشقاقات على الدعم السريع لا يقاس فقط بعدد الذين غادروا، وإنما بالأثر المعنوي الذي تتركه هذه المغادرات داخل الصفوف المتبقية. ففي الحروب، الشك ينتقل بسرعة هائلة، وكل قائد ينسحب يترك خلفه أسئلة وقلقًا واهتزازًا في الثقة.
أما الجيش السوداني، فإنه يستفيد من هذه التحولات على أكثر من مستوى. ليس فقط من ناحية المعلومات والخبرات التي يحملها المنشقون، وإنما من ناحية ترسيخ فكرة أن الدولة، رغم كل ما مرت به، ما زالت تمثل الإطار الأكثر بقاءً واستقرارًا مقارنة بأي تكوين مسلح طارئ.
ومع ذلك، فإن نجاح الجيش في الاستفادة من هذه الانشقاقات يتطلب رؤية تتجاوز المكاسب التكتيكية السريعة. فالقضية ليست مجرد كسب مقاتلين جدد، وإنما بناء مرحلة تعيد للسودان فكرة الدولة الواحدة والمؤسسة العسكرية الواحدة، بعيدًا عن تعدد الجيوش ومراكز القوة.
السودان اليوم يقف عند لحظة شديدة الحساسية، والانشقاقات الأخيرة قد لا تكون مجرد أحداث عابرة في مسار الحرب، بل إشارات على تحولات أكبر قادمة. فحين يبدأ القادة في المغادرة، فهذا يعني أن هناك من أدرك مبكرًا أن المشهد يتغير، وأن البقاء في المكان نفسه لم يعد الخيار الأكثر أمانًا.
وفي الحروب، من يقرأ المشهد جيدًا… يغادر مبكرًا.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version