كتب :أ.د. عبدالحليم موسى عبدالله،،، أكاديمي وباحث جامعة أفريقيا العالمية
تأملات في الواقع ومحاولات للبحث عن الحلول
::::::::::::::::::
تعيش الشخصية السودانية اليوم حالة من التداخل والتجاذب بين منظومتين اجتماعيتين وثقافيتين؛ الأولى تمثل المجتمع التقليدي الذي تشكلت ملامحه عبر قرون طويلة من التفاعل القبلي والأسري والديني، والثانية تمثل المجتمع الانتقالي الذي تفرضه متغيرات العصر ومتطلبات الدولة الحديثة وقيم المواطنة والمؤسسية والديمقراطية. وبين هذين النموذجين تقف الشخصية السودانية أمام تحديات كبيرة تتطلب قدراً عالياً من الوعي والمراجعة والتجديد.
لقد نشأ غالب أهل السودان في بيئات اجتماعية تقوم على الأسرة الممتدة والقبيلة والعشيرة والجماعة المحلية، حيث كانت هذه المؤسسات تمثل مصدر الحماية والانتماء والدعم النفسي والاجتماعي. ومن هنا تشكلت منظومة من القيم الإيجابية التي لا يمكن إنكار دورها في بناء المجتمع السوداني، مثل التكافل الاجتماعي، وإكرام الضيف، ونصرة المظلوم، واحترام الكبار، والمحافظة على الروابط الأسرية والإنسانية.
غير أن المشكلة لا تكمن في وجود هذه القيم، وإنما في تحول بعضها أحياناً إلى أنماط من التعصب أو الانغلاق الاجتماعي الذي يجعل الولاء للقبيلة أو الجهة أو الجماعة مقدماً على الولاء للوطن والمصلحة العامة. وهنا تبدأ الإشكالية التي ظلت تلازم التجربة السودانية في كثير من مراحلها السياسية والاجتماعية.
ومن الظواهر التي تستحق التأمل كذلك انتشار ما يعرف بالشلليات والبطانات والجماعات الضاغطة التي تتشكل حول المصالح المشتركة أو الانتماءات الضيقة، حيث تسعى بعض هذه المجموعات إلى تحقيق مكاسب خاصة لأفرادها ولو كان ذلك على حساب الكفاءة أو العدالة أو المصلحة العامة. وهذه الظاهرة لا تقتصر على المجال السياسي وحده، بل تمتد أحياناً إلى المؤسسات التعليمية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية، مما يضعف قيم المؤسسية ويحد من فرص التطور والتنمية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل ما زالت الشخصية السودانية أسيرة لثقافة المجتمع التقليدي، أم أنها بدأت بالفعل في الانتقال نحو نموذج جديد من الوعي الوطني؟
إن المجتمع الانتقالي الذي ينشده السودانيون اليوم يقوم على مجموعة من القيم الحديثة التي أصبحت ضرورة وليست مجرد خياراً فكرياً، وفي مقدمتها المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والشفافية، والعدالة، واحترام التنوع الثقافي والإثني، وتقديم الكفاءة على الانتماءات الضيقة، وبناء دولة المؤسسات التي تحكمها اللوائح لا العلاقات الشخصية.
