د. جوليا فؤاد السيد هارون
في الولاية الشمالية لا تُولد الحكايات على عجل ولا تُقاس الأيام بسرعة عقارب الساعة هناك يمضي الزمن على مهل كأنه تعلَّم من النيل درسًا قديمًا في الصبر ومن ضفتيه معنى الثبات
ويُقال إن الإنسان يشبه الأرض التي نشأ عليها وربما لهذا السبب أخذت نساء الشمال من النيل هدوءه ومن ضفتيه طول الأناة ومن النخيل عناده النبيل فصرن قادرات على الاحتمال دون قسوة وعلى العطاء دون ضجيج وعلى مواصلة الطريق مهما تبدلت الفصول
وفي هذا المكان الذي تتعانق فيه ضفاف النهر مع ظلال النخيل نشأت نساء يشبهن النيل حقًّا هادئات في ظاهرهن عظيمات في أثرهن لا يحتجن إلى إعلان حضورهن لأن الحياة من حولهن كانت تنطق بما يفعلن
لم تكن حياتهن سهلة فقد عرفن مواسم الشح ومرارة الغياب وطول الانتظار وثقل المسؤوليات التي لا يراها أحد أدرن البيوت في ظروف لم تكن دائمًا رحيمة وربَّين أبناءهن فيما كان كثير من الرجال يطاردون أرزاقهم بعيدًا عن الديار وحين ضاقت الأحوال اتسعت قلوبهن وحين اشتدت الأيام ازداد تماسكهن
عرفن كيف يصنعن من القليل حياة كريمة وكيف يتحول التدبير إلى فن والصبر إلى قوة والحنان إلى حصن يحتمي به الجميع فنجان شاي مع أول النهار ودعوة صادقة تسبق خروج الأبناء وعين تراقب التفاصيل الصغيرة ويد ترتب الفوضى بصمت حتى يبدو البيت مطمئنًا مهما كانت العواصف في الخارج
ولم يكن أثرهن مجرد رعاية يومية عابرة بل كان مشروعًا طويل الأمد لصناعة الإنسان علَّمن أبناءهن أن للكلمة وزنًا وأن الأمانة لا تتجزأ وأن احترام الآخرين لا يرتبط بمكانتهم بل بأخلاق المرء وتربيته وغرسن فيهم أن السمعة الطيبة تُبنى بسنوات من الاستقامة وقد تهدمها لحظة طيش واحدة
ولذلك كلما تأملنا سير كثير من أبناء الشمال الذين نجحوا في مواقعهم المختلفة من أطباء ومعلمين ومهندسين وأساتذة ومغتربين شقُّوا طريقهم في أصقاع الأرض وجدنا خلف تلك الرحلات امرأة لم تقف يومًا على منصة التكريم لكنها كانت حجر الأساس في كل ما تحقق
امرأة تعرف كيف تنتظر دون أن ينكسر قلبها وتستقبل العائدين بفرح لا تصنعه المناسبات الكبرى وتحفظ تفاصيل البيت كما تُحفظ الآيات في الصدور وتدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج بل إلى ثبات يومي لا يراه أحد
وربما تكمن المفارقة هنا ففي زمن باتت فيه القيمة تُقاس بحجم الظهور ظلت كثير من نساء الشمال يمارسن أدوارهن بعيدًا عن الأضواء وكأنهن يذكِّرننا بأن أكثر الأشياء أهمية في هذه الحياة لا تصرخ لتثبت وجودها فالجذور لا تُرى لكنها وحدها التي تمنح الشجرة قدرتها على البقاء
لهذا لم تكن نساء الشمال شخصيات ثانوية في الحكاية بل كنَّ الحكاية نفسها وإن كُتبت بأحرف هادئة
يشبهن النيل في شيء جوهري فكلاهما يمنح أكثر مما يتحدث ويحمل الخير إلى الآخرين دون أن يطالب باعتراف أو امتنان فالنيل لا يرفع صوته ليقنع الناس بأهميته ومع ذلك تدور حوله الحياة وكذلك هن يتركن أثرًا طويلًا في النفوس حتى وإن غابت أسماؤهن عن التفاصيل اليومية
وفي زمن يتغير بسرعة تبقى هذه النماذج الإنسانية جديرة بأن تُروى لا بدافع الحنين وحده بل لأن المجتمعات التي تنسى النساء اللاتي صنعن وجدانها تخاطر بأن تفقد جزءًا من ذاكرتها الأخلاقية
فكيف لنساء بهذا الصمت أن يتركن كل هذا الامتداد
لعل الإجابة تكمن في أن القوة ليست دائمًا فيما يُرى وأن أعظم أشكال التأثير قد تأتي في هيئة أم تفتح باب بيتها مع الفجر أو زوجة تنتظر الغائب بالدعاء أو امرأة عادية لم تكتب اسمها في الكتب لكنها كتبته في حياة من حولها
هكذا كانت كثير من نساء الشمال
يشبهن النيل في هدوئه وكرمه وعمقه واستمراره
شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version