إفادة نيوز – د. عبدالحليم موسى عبدالله
_______
*تأملات في الواقع ومحاولات للبحث عن الحلول*
::::::::::::::::::
أن الانتقال من مجتمع إلى آخر لا يتم بقرارات سياسية أو شعارات إعلامية فحسب، بل يحتاج إلى إعادة بناء الإنسان نفسه، فكراً وسلوكاً ووعياً. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تنهض بعقلية تقليدية تؤمن بالمحسوبية أكثر من إيمانها بالكفاءة، أو تقدم المصالح الخاصة على المصالح العامة، أو تنظر إلى الوطن من زاوية القبيلة أو الجهة أو الحزب فقط.

وفي خضم هذا التحول تبرز أهمية البعد الروحي والأخلاقي باعتباره الركيزة الأساسية لأي مشروع إصلاحي حقيقي. فالقيم الدينية الصحيحة تدعو إلى العدل والمساواة والإحسان والإيثار والأمانة والتجرد من الأنانية وحب الذات، وهي قيم لا تتعارض مع الدولة الحديثة، بل تمثل أساساً أخلاقياً متيناً لنجاحها واستقرارها.

ولعل من أخطر ما تواجهه المجتمعات في مراحل الانتقال هو شيوع النزعة المادية وحب الظهور والتنافس على المناصب والمكاسب على حساب المبادئ والقيم. لذلك فإن بناء الشخصية القيادية في السودان ينبغي أن يقوم على معايير جديدة تجعل خدمة الوطن مسؤولية لا امتيازاً، وتعتبر المنصب تكليفاً لا تشريفاً، وتربط القيادة بالأخلاق والكفاءة والنزاهة قبل أي اعتبار آخر.

إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني متكامل يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، ويؤسس لثقافة جديدة تقوم على المواطنة والانتماء الوطني دون أن تلغي الخصوصيات الثقافية والاجتماعية التي تمثل جزءاً من ثراء السودان وتنوعه. كما يحتاج إلى إصلاح تربوي وتعليمي وإعلامي يرسخ قيم الوحدة والتسامح وقبول الآخر والعمل الجماعي واحترام القانون.

ويبقى السؤال مفتوحاً للنقاش: كيف يمكن للشخصية السودانية أن تحتفظ بإيجابيات المجتمع التقليدي من تكافل وترابط وقيم أخلاقية، وفي الوقت نفسه تتجاوز سلبياته المرتبطة بالقبلية والمناطقية والولاءات الضيقة، لتسهم في بناء دولة المواطنة والمؤسسات والعدالة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخص النخب السياسية أو الأكاديمية وحدها، وإنما هي مسؤولية مجتمع بأكمله يسعى إلى الخروج من أزماته المتراكمة نحو مستقبل أكثر استقراراً ووحدة وازدهاراً.

ولعل أول خطوات الحل تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، ثم فتح حوار وطني صادق حول طبيعة الشخصية السودانية ومستقبلها، لأن بناء الأوطان يبدأ دائماً ببناء الإنسان.

أكاديمي وباحث جامعة أفريقيا العالمية

شاركها.
اترك تعليقاً